الجمعة، 14 مايو، 2010

الانترنت لا تشبه المطبوعات بل تشبه حالة البث الرقمي الفضائي لمحطات التلفزيون!.

مع اقتراب استحقاق تقديم مسودة قانون النشر الالكتروني، ليتم ربما عرضها لأخذ الرأي عبر التشاركية أو لاعتمادها وفرضها كحل انتقالي لحين إيجاد قانون إعلام عام يضم تحته كل أنواع الإعلام والتواصل ويجُبُّ ما قبله من قوانين بهذا الخصوص قديمة أم حديثة، سيبقى النقاش الصحي حول قضية شائكة، قضية الإعلام عبر الانترنت والإعلام عبر الموبايل، قائما.ً

ولقد تعمدت عدم استخدم مفهوم " الإعلام الرقمي " لأن هذا المفهوم أكبر وأعم ويضم "البث الرقمي" و"التلفزيون حسب الطلب" وهذه مواضيع ستترك على ما اعتقد لقانون الإعلام.

لا أحسد أحداً من أعضاء اللجنة المشكلة لوضع قانون لم يحدد اسمه بعد " الإعلام الالكتروني أم النشر الرقمي، النشر الالكتروني، أم قانون النشر والنشر الالكتروني، أم التواصل عبر الشبكة"، وعدم وضع اسم للقانون إلى الآن هو أمر طبيعي ودلالة التشعب والاختلاف في مفاهيم ضبط منظومة إعلامية دخلت عالم الإعلام مؤخراً.

وبشكل غير رسمي أقحمنا أنفسنا، نحن المهتمون بالإعلام والتقانة والمواقع والنشر بأنواعه، بهذا السجال، وأصبحت حواراتنا تدور حول ما يمكن ومالا يمكن تحميله لهذا القانون الجديد، وما ينطبق ومالا ينطبق على عوالم اختلط فيها الفرد صاحب الموقع بالمؤسسة الإعلامية، ونقاشاتنا كلها يمكن حصرها في نقاط أساسية هي : هل يمكن اعتبار المدونة الفردية موقعاً إعلاميا؟. هل يمكن اعتبار الموقع الذي يعتمد تجميع الأخبار من مواقع إعلامية متعددة "دون أذن مسبق منها" وتقديمها كخدمة إعلامية موقعاً إعلاميا أم خدمة اعلامية؟. هل يمكن أن نطبق أحكام الترخيص للمطبوعات على المواقع؟. هل فعلاً يحق لكل مواطن أن يفتح موقعاً لإطلاق آرائه ومعتقداته دون تدريب أو خبرة أو شهادة تخصصية تؤهله لذلك؟. كيف سنعالج موضوع أدب التعليقات الذي رافق المواقع الالكترونية الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية؟.

وهناك الكثير من الأسئلة الأخرى، البسيطة منها والمعقدة، وهي بمجملها تشكل عبئاً إضافيا على واضعي القانون الجديد، ناهيك عن الضغط الذي ينتابهم فقط عند تصورهم للهجوم الذي سيتعرضون له بعد صدور القانون من أصحاب المواقع المتضررين ومن الجهات التي ستتخذ من هذا القانون منصة للهجوم على موضوع الحريات الذي لم يحسم عالميا ليحسم سورياً.

والسؤال الأهم هل من الممكن أن يوجد قانون مقبول لهذه المعادلة؟.

الحل ربما يكمن في ما هو موجود وله اسم ونعرفه إنه " البث الرقمي"، نعم البث الرقمي وليس النشر الرقمي .

عند مقارنة المواقع الالكترونية بالمطبوعات تعارضت مفاهيم عالمين مختلفين تماماً ولذلك كان من الصعب إيجاد حل لدمجهما أو حتى للاقتباس بينهما، ولكن عند مقارنة البث الرقمي بالبث التلفزيوني بأنواعه تبدأ الأمور باتخاذ شكل مختلف وربما أكثر سهولة.

نعم الانترنت لا تشبه المطبوعات بل تشبه حالة البث الرقمي الفضائي لمحطات التلفزيون!.

عندما يتحدث المختصون عن الانترنت يستخدمون تعبيراً هو أقرب ما يمكن لوصفها "الغيمة" لأن الانترنت " التي حتماً ليست الشبكة العنكبوتية كما يحب اللغويون تسميتها" ولا حتى "الشابكة " لا يعبر عنه إلا بأنها "غيمة" كل نقطة فيه متصلة بالأخرى بنفس الطريقة بغض النظر عن مكانها أو بعدها، فعندما تتصل " بالغيمة" لا يهم إن كنت على بعد غرفة أو قارة كاملة عن المخدم الذي يحوي المعلومة التي تريدها، وفي "غيمة" الانترنت اختفت المسافات والأماكن لتصبح الكرة الأرضية كلها فضاءً واحداً لتبادل المعلومات، وتلقي المعلومة من متابعها أو الباحث عنها لا تكلفه إلا معرفة مكانها، شيء يشبه ما نمارسه من ضغط على "الريموت كونترول" للوصول إلى المحطة التي نريد من آلاف المحطات المتوفرة.

مع البث الرقمي عبر الانترنت تستطيع أن تبث معلومة مطبوعة أو أن ترسل تقريراً مصوراً ومن الممكن أن تنشئ إذاعة فضاؤها "الغيمة" غيمة الانترنت، وهذا ممكن وبشكل جزئي عبر البث
التلفزيوني والإذاعي الفضائي.

ورغم تشابه الكثير من المواقع التي لا تقدم إلى الآن إلا الخبر والمادة المطبوعة مع المطبوعات التقليدية من حيث الشكل فهي في الواقع مختلفة، فالمطبوعات لا يمكن تحديثها إلا بطباعة أخرى جديدة بينما تحدث المواقع في أي لحظة وبأي وقت، كذلك فإنه لا يمكن في المطبوعات متابعة حدث إخباري وتطويره لحظة بلحظة، بينما تعتبر هذه الميزة من أهم خصائص المواقع وقنوات التلفزيون والبث الإذاعي.

في المطبوعات لا يمكن دمج الصوت والصورة مع الكلمة ولا يمكن أن نحول كل ذلك لتطبيقات جاهزة لبثها إلى مليارات الأجهزة الهاتفية المحمولة التي بدأت تستقبل الأخبار والموسيقى والأفلام والمسلسلات عبر بروتوكولات البث الرقمي الخاصة بها.

المطبوعات صديق قديم نعرفه ونعرف كيف نوصله أو نوقفه عند الحاجة، والفضائيات ومواقع الانترنت قادم جديد لم نجد له قوانين تؤطر عمله وحتماً لا نستطيع إيقافه تماماً حتى لو حاولنا ذلك.

لنعود إلى " البث الرقمي"، عندما نريد أن نتعامل مع ما ينتمي إلى المستقبل يجب أن نفكر بأننا فعلاً سننتمي إلى المستقبل قريباً لذلك من الممكن تخيل المستقبل القريب لعوالم التواصل الرقمي، عندها من الممكن أن تسهل علينا عملية إيجاد الإطار المناسب لها.

سيكون التلفزيون الرقمي " التلفزيون عند الطلب"، الذي يعمل عملياً عبر بروتوكولات الانترنت نفسها، حقيقة واستفادة واندماج هذا النمط من الترفيه مع مواقع الانترنت نفسها هو أمر حتمي " معظم أجهزة التلفاز الحديثة تعلن عن توافقها مع مواقع مثل " You Tube" و مواقع الشبكات الاجتماعية مثل "Facebook " وغيرها والهواتف الجوالة كذلك".

معظم الإذاعات بدأت الآن بالبث عبر الانترنت وعبر الهواتف الجوالة وكثير من المحطات، حتى العربية منها، أصبحت توفر برامجها الحية أو المسجلة عبر الوسائط ذاتها.

إذاً قد لا يكون لنا في المستقبل القريب الكثير من أدوات التحكم بما يمطر علينا من " بثٍ رقمي" ولكننا بالتأكيد نستطيع أن نضع الشكل والنكهة والإستراتيجية السورية "للبث الرقمي السوري".

وهنا عملياً لابد أن نعود "للرؤية" التي يجب أن تنطلق منها أي استراتيجيات مستقبلية " تحت اسم قانون" هذه الرؤية هي الدستور، دستور الجمهورية العربية السورية الذي أوضح في مادته الثامنة والثلاثين أن: "لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد البناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون".

شمل القسم الأول من المادة كافة وسائل التعبير و لكل المواطنين ولكن ما ربطها بالقسم الثاني حرفان بغاية الأهمية هما "بما" وعملياً فإن هذه الـ "بما" هي كل ما نحتاجه لبناء قانون البث الرقمي.

شملت هذه المادة كل أنواع البث الرقمي الحديث: " المدونة، الموقع، الإذاعة الرقمية، التلفزيون الرقمي، البث الرقمي للمحتوى السابق نفسه إلى الهواتف الجوالة..." وأيضاً كل أنواع التواصل التقليدي: المطبوع والإذاعي والتلفزيوني القديم.

إن "البث الرقمي" وضعنا وللمرة الأولى أمام استحقاق " سهولة مخاطبة الجموع من قبل من يريد " لأننا في السابق كان من الممكن أن نفرز من المواطنين مَن يمكنه أن يعرب عن رأيه بشكل فردي، أو ضمن جماعة ممن فسح لهم إمكانية النشر والتعبير عبر مؤسساتهم الإعلامية لتشكيل رأي عام وندعوها مؤسسات إعلامية.

فما كان ممكنا في القوانين السابقة من حصر مسؤولية النشر" ببعض المواطنين" أصبح عملياً غير ممكن إلا من الناحية الإدارية، لذلك ضمن قانون البث الرقمي الحديث يمكننا أن نوضح أن "كل المواطنين يحق لهم استخدام وسائل البث الرقمي للتعبير عن رأيهم" بما أتيح لهم من حق دستوري ويخضعون للقوانين السورية في حال لامس رأيهم قوانين القدح والذم ومس كرامات الآخرين.

وقانون "البث الرقمي" سيفرق بين المؤسسة العاملة ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية أو خارجها وتسجل نفسها تحت العلم السوري، وبين غيرها ممن لا يرغب في أن يكون مؤسسة إعلامية سورية تعتمد في أدوات تخاطبها على " البث الرقمي".

وهنا لا يوجد كلمة " لمن يرغب" بل يوجد نوعان من المواطنين السوريين يندرجون تحت هذا القانون " الأول صاحب المدونة الموقع الشخصي المشترك بشبكة اجتماعية أو من لديه موقع إذاعي أو حتى يقدم محتواه بشكل مصور وكل من يندرج ضمن هذه الفئة تكون حقوقه في إبداء رأيه محفوظة دون أي حقوق إدارية مثل تسجيل شركة أو مؤسسة أو الاستفادة مالياً منها" "والثاني المواطن أو مجموعة المواطنين ممن يمتهنون البث الرقمي بأشكاله وبأنواعه ويعملون تحت العلم السوري بالقوانين الإدارية السورية التي تنظم عملية تسجيلهم كشركات أو مؤسسات عاملة في القطاع الإعلامي معتمدين على وسيط " البث الرقمي" لإيصال المحتوى الذي أوجدوه.

لهؤلاء المحترفين سيوضع قانون يوصِّف إدارياً مؤسساتهم، حقوقهم، واجباتهم ويعترف بهم مساهمين في قطاع حيوي هو الإعلام.

وتفريق أصحاب الرأي من الافراد عن صناع المحتوى بسيط، ومعادلته هي "التمويل"، فكل من امتهن " البث الرقمي" ويسعى للحصول على "التمويل" باشكاله " دعم، رعاية، اعلان" هو مؤسسة يجب أن ترخص أصولاً تحترم أسس التخاطب الاعلامي وقوانين النشر التي تضبط هذه العملية قانونياً ومالياً، له حقوقه وعليه التزاماته من توظيف لكوادره وشفافية حساباته واستعداده لدفع ما يترتب عليه من ضرائب ورسوم اسوة بأي مؤسسة اعلامية مرخصة في سورية.

فالتمويل في عالم الاعلام هو أهم معرف عن أهداف المؤسسة ونوعها ومكان نشاطاتها ومكانتها أيضاً، أما المواقع الشخصية والمدونات وصفحات الشبكات الاجتماعية فهي بالمطلق لاتسعى للتمويل ويجب أن لا تسعى له وإلا تحولت لمؤسسة يجب ترخيصها.

العمل الإعلامي هو صناعة لها أسسها وخريجيها ونجومها والرأي هو حق للجميع، ولذلك كفل الدستور الرأي ووصفه للجميع أفراداً ومؤسسات أما قانون "البث الرقمي" أو قانون " الإعلام" أو قانون " المطبوعات" فقد وضع لتنظيم مهنة، مهنة الإعلام.

والمواقع الالكترونية الاعلامية السورية بمعظمها شكلت حالة من النجاح يجب ان تتوج بتحويلها الى مؤسسات تساعد في تحقيق الاستراتيجية الاعلامية السورية ومعادلة الاعلام الوطني.

ربما.. يكون هذا السجال وهذا القانون مقدمة لشيء أهم هو "نقابة الإعلاميين السوريين".. وأعضاء هذه النقابة من الاعلاميين هم الأقدر على تنظيم هذه المهنة وهم الأقدر على منح الميزات، وتحديد الواجبات.
ـــــــــــــــــــــــــــ
العونان الأصلي للموضوع هو:البث يدخل عوضاً عن النشر الالكتروني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق